الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ مفرع مثل نظيره في قصة عاد . والمراد ب الْمُسْرِفِينَ أئمة القوم وكبراؤهم الذين يغرونهم بعبادة الأصنام ويبقونهم في الضلالة استغلالا لجهلهم وليسخروهم لفائدتهم . والإسراف : الإفراط في شيء ، والمراد به هنا الإسراف المذموم كله في المال وفي الكفر ، ووصفهم بأنهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، فالإسراف منوط بالفساد . وعطف وَلا يُصْلِحُونَ على جملة : يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ تأكيد لوقوع الشيء بنفي ضده مثل قوله تعالى : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [ طه : 79 ] وقول عمرو بن مرة الجهني : النسب المعروف غير المنكر يفيد أن فسادهم لا يشوبه صلاح ؛ فكأنه قيل : الذين إنما هم مفسدون في الأرض ، فعدل عن صيغة القصر لئلا يحتمل أنه قصر مبالغة لأن نفي الإصلاح عنهم يؤكد إثبات الإفساد لهم ، فيتقرر ذلك في الذهن ، ويتأكد معنى إفسادهم بنفي ضده كقول السموأل أو الحارثي : تسيل على حدّ الظبات نفوسنا * وليست على غير الظبات تسيل والتعريف في الْأَرْضِ تعريف العهد . [ 153 ، 154 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 153 إلى 154 ] قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 ) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 154 ) أجابوا موعظته بالبهتان فزعموه فقد رشده وتغير حاله واختلقوا أن ذلك من أثر سحر شديد . فالمسحّر : اسم مفعول سحّره إذا سحره سحرا متمكنا منه ، و مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أبلغ في الاتصاف بالتسحير من أن يقال : إنما أنت مسحّر كما تقدم في قوله : لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ الشعراء : 116 ] . ولمّا تضمن قولهم : إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ تكذيبهم إياه أيدوا تكذيبه بأنه بشر مثلهم . وذلك في زعمهم ينافي أن يكون رسولا من اللّه لأن الرسول في زعمهم لا يكون إلا مخلوقا خارقا للعادة كأن يكون ملكا أو جنّيّا . فجملة : إنّما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا في حكم التأكيد بجملة : إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ باعتبار مضمون الجملتين .